السيد عبد الأعلى السبزواري
298
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
القصد ، والمحاجة أن يقصد كل واحد رد الآخر بدليل معتبر . أي إنكم إذا أظهرتم للمؤمنين ما في التوراة يصير حجة عليكم من المسلمين فيحاجوكم به ، وليس هذا إلّا النفاق . قوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ . يحتمل أن يكون قول الأحبار والرؤساء لمن أظهر منهم الإيمان أي : أفلا تعقلون أن هذا الحديث يوجب إتمام الحجة للمسلمين على بني إسرائيل . ويحتمل أن يكون الخطاب من اللّه تعالى للمؤمنين أي : أفلا تعقلون أنّ بني إسرائيل منافقون في أقوالهم وأعمالهم وأنهم لا يؤمنون فلا تعتمدوا على ما يصدر منهم . قوله تعالى : أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ . الإسرار خلاف الإعلان ، وللإسرار مراتب كثيرة قال تعالى : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ سورة طه ، الآية : 7 ] . وعن بعض أهل اللغة - وتبعه بعض المفسرين - أنه من الأضداد لقوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ [ سورة سبأ ، الآية : 33 ] أي أظهروا الندامة ولكنه مردود لأنه خلاف ظاهر الآية المباركة كما يأتي في محلها . نعم يمكن أن يكون شيء واحد سرا من جهة وإظهارا من جهة أخرى فهو من الصفات ذات الإضافة ، قال تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [ سورة التحريم ، الآية : 3 ] ، وقال جلّ شأنه : إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً [ سورة نوح ، الآية : 9 ] ، وقال تعالى : وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً [ سورة الرعد ، الآية : 22 ] . وعلى أية حال فهذه الآية المباركة من القضايا التي يكون دليلها معها بعد تصورها ؛ وفيها توبيخ وتقريع لكل من يعلم بالحق ولا يحقه أو يعلم بالباطل ولا يبطله فضلا عن أن يظهر خلافه في كل منهما ، فإنه تعالى حاضر لدى القلوب فلا بد أن تكون القلوب حاضرة لديه حضورا عمليا لا اعتقاديا فقط ، إذ لا أثر للاعتقاد بدون العمل . وهذه الآية المباركة من الآيات التي تدل على إحاطته تعالى بما سواه وهذه الإحاطة واقعية فوق ما نتعقله من معنى الإحاطة ، ولذا عقّب سبحانه وتعالى علمه الإطلاقي بما سواه بالألوهية المطلقة تارة ، فقال جل